لم يُطرد أحد قط بسبب شرائه...
كانت الثمانينيات حين سمعت هذه العبارة لأول مرة في مجال تقنية المعلومات، وكانت “لم يُطرد أحد قط بسبب شرائه IBM.” الفكرة أن IBM كانت معروفة ومُوثوقة وموثوقة لدرجة أنها كانت الخيار الآمن لمتخذ قرار الشراء التقني. ما دمت تختار IBM، لن تقع في ورطة، بغض النظر عن تكلفة الحل الناتج أو فعاليته.
تبدو العبارة في ذاتها بسيطة. وهي رسالة تسويقية رائعة وكانت IBM، بطبيعة الحال، تُحبها. لكن ما يُثير القلق هو ما توحي به العبارة لا ما تقوله صراحةً.
أولًا، علينا فهم دور متخذ قرار تقنية المعلومات المعني. قد يبدو هذا بديهيًا، لكن من المفاجئ مدى سهولة إغفاله. فبمجرد أن نتعمق في تداعيات العبارة ذاتها يصبح من السهل جدًا أن ننسى الأهداف الحقيقية. في دور متخذ القرار، يتمثّل مهمة متخصص تقنية المعلومات في اختيار أفضل حل لمؤسسته بناءً على قدرته على تحقيق الأهداف المؤسسية (عادةً الأرباح). وهذا يعني تقييم الخيارات وحماية الإدارة غير التقنية من مندوبي المبيعات والتسويق، وفهم السوق، والبحث والتقييم الدقيق. تبدو هذه الأمور واضحة حتى نبدأ في تطبيقها فعليًا.
ما يجب تحليله إذن ليس "لم يُطرد أحد قط بسبب اختيار المنتج X"، بل ما هي التداعيات الفعلية لمثل هذه العبارة.
أولًا، تُشير العبارة إلى مؤسسة ستحكم على قرارات تقنية المعلومات ليس بناءً على مزاياها أو ملاءمتها بل على مدى شهرة اسم الشركة المصنّعة. كي تكون لهذه العبارة أي قيمة حقيقية، تحتاج المؤسسة بأكملها إما إلى افتقار القدرة أو الرغبة في تقييم القرارات، وكذلك إلى رغبة مؤسسية في تفضيل الأسماء التجارية الكبيرة والمكلفة (وهي عبارة تقترن دائمًا بالعناصر الأعلى كلفةً مقارنةً بالبدائل) على ما سواها. إن التفضيل المؤسسي نحو الإنفاق المرتفع الأصعب تبريرًا أمر خطير في أحسن الأحوال. نفترض ليس فقط أن شراء المنتجات الأغلى والأشهر سيُقيَّم تقييمًا أفضل من المنتجات الأرخص أو الأقل شهرة، بل أن الشراء في حد ذاته يُنظر إليه باعتباره مفيدًا حتى حين لا تكون هناك حاجة لشيء؛ في حين أن من أفضل قرارات تقنية المعلومات في أغلب الأحيان عدم شراء أي شيء حين لا توجد حاجة. إن إعطاء الأولوية للإنفاق على الادخار لأسباب ذاتية دون مراعاة الحاجة التجارية أمر سيئ للغاية.
ثانيًا، بعد أن أدركنا الواقع المؤسسي الذي توحي إليه هذه العبارة، وأن متخذ قرار تقنية المعلومات مستعد لاستغلال السياسة المؤسسية وسيلةً لتجنب بذل الوقت والجهد اللازمين لإجراء تقييم حقيقي لاحتياجات العمل، وربما تجاوز هذه العملية كليًا، نجد أنفسنا أمام تساؤل أخلاقي جوهري. فسواء أكان الدافع خشية عدم تقييم المؤسسة للنتائج بشكل صحيح، أم لوم متخذ القرار على أحداث غير متوقعة في وقت لاحق، أم الرغبة في الاستفادة من الوضع والحصول على أجر مقابل عمل لم يُنجز، فإننا أمام مشكلة خطيرة على الصعيد الفردي أو المؤسسي أو كليهما.
كي يعتمد أي متخذ قرار في تقنية المعلومات على هذه العقلية، العقلية التي ترى أن ثمة أمانًا في قرار بعينه بصرف النظر عن مدى ملاءمته، لا بد من وجود انعدام جوهري للثقة في المؤسسة. سواء كان هذا صحيحًا أم لا فلا يمكن الجزم به، لكن اعتقاد متخذ القرار بذلك شرط لازم لمجرد نشوء هذه الفكرة. وفي كثير من المؤسسات يُفهم أن السياسة تطغى على القرارات الرشيدة، وأن اتخاذ قرارات لا يمكن لوم صاحبها عليها أهم بكثير من السعي الصادق لإنجاز عمل جيد. وهذا بحد ذاته أمر مؤسف بما يكفي، لكن في أحيان كثيرة لا يكون إلا فرصة لتجاهل العمل الذي وُظّف متخذ القرار من أجله، فبدلًا من أداء عمل صعب يستلزم معرفة عميقة بالأعمال والتقنية وأبحاث السوق وتحليل التكاليف وما إلى ذلك، يكتفي بترك المورد يبيع ما يشاء للمؤسسة.
في أحسن الأحوال يبدو أننا أمام متخذ قرار في تقنية المعلومات تنقصه الثقة بأخلاق من هم فوقه أو بكفاءتهم. وفي أسوأ الأحوال نجد شخصًا يسعى فعليًا للاستفادة من مؤسسة ما عبر تقاضي أجر مقابل كونه متخذ قرار محوريًا، ثم بدلًا من القيام بالعمل الذي وُظف من أجله أو حتى لا يفعل شيئًا، يلقي بثقله وراء مورد لم يُقيَّم بشكل صحيح ربما استنادًا فقط إلى عدم حاجته لبذل أي جهد.
ما ينبغي أن يُقلق المؤسسة ليس أن الموردين الذين كثيرًا ما يُعدّون "آمنين" يُوصى بهم أو يُختارون، بل لماذا اختيروا. فكثيرًا ما يُقدّم الموردون الذين يقعون في هذه الفئة منتجات وحلولًا رائعة، وإلا ما كانوا ليكتسبوا هذه السمعة أصلًا. لكن في الوقت ذاته، بعد اكتسابهم مثل هذه السمعة، يكون لهؤلاء الموردين حافز مالي قوي للاستفادة من هذه الثقافة وزيادة الأسعار مع تقديم قيمة أقل، إذ إنهم في كثير من الحالات لا يُختارون بناءً على مزاياهم بل على اسمهم وسمعتهم وبراعتهم التسويقية.
كيف تُعالج المؤسسة هذا الأثر؟ ثمة طريقتان. الأولى تقييم جميع القرارات بعناية في إطار تحليل لاحق لفهم ما تبدو عليه القرارات الجيدة، وعدم الاقتصار على التحليل اللاحق للمشاريع التي فشلت بوضوح. والثانية إخضاع قرارات المنتجات والحلول الشائعة لتدقيق أكبر لا أقل، إذ تُمثّل هذه القرارات إشارات تحذيرية تدل على أن عملية اتخاذ القرار ربما جرى تخطيها أو إجراؤها بأقل من الصرامة اللازمة. ينبغي النظر إلى الشركات المعروفة والأساليب المعيارية المفترضة والحلول الشائعة في الإعلانات والتي يوصي بها مندوبو المبيعات والموزعون والموردون بعين ناقدة أكثر مقارنةً بالخيارات الأقل شيوعًا والأكثر "خطورة" سياسيًا.
