التعاقد بهدف التوظيف
ثمة الكثير من ممارسات التوظيف السيئة الشائعة اليوم لدرجة أن المرء لا يعرف من أين يبدأ. ومن أكثرها وضوحًا في سوئها مفهوم وظائف “التعاقد بهدف التوظيف”. الفكرة بسيطة: تستأجر شخصًا بموجب عقد مؤقت، وإن سارت الأمور على ما يرام، تُعيّنه موظفًا بدوام كامل. والفكرة هي أن تتمكن الشركة من “تجربة” الموظف لمدة ستة أشهر واتخاذ قرار توظيف سليم. وربما يبدو على السطح أن هذا يُمثّل فوزًا كبيرًا لصاحب العمل، كما أن الموظف بدوره يحظى بفرصة تجربة صاحب العمل.
لكن إذا نظرنا إلى الفكرة من منظور الموظف، يتضح الخطأ في هذا النهج بشكل جلي.
هناك نوعان أساسيان من العمال: المستشارون والموظفون التقليديون. أو على الأقل الأشخاص الذين يرغبون في أن يكونوا أحد هذين النوعين. العمل الاستشاري أسلوب عمل فريد، وثمة نسبة معينة من المهنيين تفضله. أما معظم العمال فيرغبون في أن يكونوا موظفين بكل ما ينطوي عليه ذلك من استقرار ومزايا. ويرغب عدد قليل جدًا في العمل الاستشاري، إذ إنه أسلوب عمل مرهق جدًا. لا يعني هذا أن الناس لا يتغيرون بمرور الوقت؛ فمن الشائع أن يميل المهنيون الشباب إلى العمل الاستشاري في بداية مسيرتهم ثم يرغبون في الانتقال إلى التوظيف الكامل في مرحلة لاحقة من حياتهم المهنية.
يوضح ما سبق المشكلة الجوهرية في نهج التعاقد بهدف التوظيف. أيَّ شخص ستوظف؟ الفكرة هي أنك ستوظف الفئة الأخيرة، أي الشخص الراغب في أن يكون موظفًا طويل الأمد بالاستقرار والمزايا، والذي يسعى للحصول على منصب بالتعاقد بهدف التوظيف أملًا في أن يصبح موظفًا. غير أن ثمة مشكلة هنا، وهي أن من يريدون الاستقرار الوظيفي لا يريدون البدء بالتعاقد. فالجميع يعلم أن التعاقد بهدف التوظيف يعني في الواقع “تعاقد بفرصة ضئيلة أو معدومة للتوظيف لاحقًا.” لذا، لن يلجأ الباحثون عن عمل منتظم إلى مثل هذه المناصب إلا إذا عجزوا عن إيجاد عمل منتظم، مما يجعل الشركة في موقف لا تستقطب فيه سوى من عجزوا عن إيجاد عمل في مكان آخر — وهي استراتيجية ضعيفة في أحسن الأحوال.
الخطر الآخر هو أن يقبل المستشارون وظائف التعاقد بهدف التوظيف. في هذه الحالات، يقبل المستشارون المنصب دون نية قبول أي عرض توظيف في نهاية العقد. قد تقضي الشركة ستة أشهر أو حتى عامًا في تدريب المستشار واختباره وتنميته وإقناعه بحب وظيفته، وحين يحين وقت توظيفه يرفض العرض.
لا يوجد سيناريو إيجابي للتعاقد بهدف التوظيف. في أفضل الأحوال، تُوظّف مستشارًا تغيّرت آراؤه تجاه أسلوب العمل بفضل جودة بيئة العمل الرائعة، فلا يشعر بالقلق بعد قبول المنصب. لكن هذا أندر بكثير من محاولات الشركات المنخرطة في هذه الممارسة فعلًا توظيف أحد في نهاية العقد. في الواقع العملي، تجد الشركة التي تنتهج هذا الأسلوب نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما توظيف الأقل قابلية للتوظيف، وإما التعامل مع مستشارين لا يعتزمون قبول “عرض الإغراء” أصلًا. وهذا يجعل الشركة تعتقد أن لديها جزرة تُدلّيها أمام المستشار في حين أنها في الواقع لا تملك شيئًا مميزًا تقدمه.
هذه حالة كلاسيكية لصاحب عمل يسعى للاستفادة من السوق، لكنه دون أن يُمعن التفكير، يُهيئ نفسه لأن يستغله الآخرون. فأفضل المرشحين سيتجاوزونه كليًا، والمستشارون المحترفون سيرون في الأمر فرصة للاستثمار.
الفكرة بسيطة وتنطبق على جميع قرارات التوظيف. لا تُوظّف شخصًا بناءً على عوامل لا تتعلق بالوظيفة الفعلية. وظّف الموظفين لمناصب الموظفين، والمستشارين لمناصب التعاقد. تمامًا كما لا تحاول إجراء مقابلات مع مهندسين لمناصب تسويقية — فمن الناحية النظرية قد يمتلك أحدهم مهارات متقاطعة، لكنك بذلك تُقلّص فرصك في إيجاد الشخص المناسب إلى الحد الأدنى. وظّف بصدق لتلبية احتياجاتك وستنتفي كثير من المشكلات.
