استخدام الشهادات المهنية كمحرك للتعليم

لا يمكن إنكار أن تكنولوجيا المعلومات هي مجال مدفوع بالشهادات المهنية. فأي مجال آخر مليء إلى هذا الحد بشهادات لكل نهج ومجال متخصص وبائع ومنتج وإصدار ومسار مهني؟
بعض الصناعات، وإن كانت قليلة نسبياً، تمتلك شهادات واسعة. وإصلاح السيارات هو مثال بارز كثيراً ما نصطدم به، حيث يُحتمل أن يحمل المتخصصون في الإصلاح، بل من المرجح أن يحملوا، شهادات من مزيج من هيئات اعتماد صناعية إضافةً إلى شهادات بائعين بعينهم أو جهات اعتماد منتجات محددة. لكن حتى في صناعات كإصلاح السيارات، من النادر أن تجد فنياً يحمل أكثر من حفنة من الشهادات. أما في تكنولوجيا المعلومات فكثيراً ما نتوقع أن حتى موظفي تكنولوجيا المعلومات من المستويات الأدنى نسبياً قد يحملون دزينة من الشهادات أو أكثر إضافةً إلى خبرتهم وتعليمهم الرسمي من مؤسسة جامعية.
الشهادات ببساطة جزء من نمط الحياة في تكنولوجيا المعلومات، وربما لسبب وجيه. فقليل من المجالات تتطلب هذا النوع من المعرفة التي تمزج بين التخصصات الدقيقة للبائعين وأفضل الممارسات العامة كما تفعل تكنولوجيا المعلومات، وقليل منها أوسع نطاقاً كصناعة في حد ذاتها؛ فتكنولوجيا المعلومات استثنائية فيما تغطيه ويمكن القول إنها ليست مجالاً واحداً أصلاً. والشهادات هي إحدى الطرق القليلة لإبراز مجالات التركيز ومستوى المهارة والتفاني والشغف بسهولة.
في مسيرتي المهنية اكتشفت استخداماً عظيماً آخر للشهادات، وهو كونها محركاً للتعليم. نعلم جميعاً أننا في تكنولوجيا المعلومات نحتاج إلى تعلم أشياء جديدة طوال الوقت. والتعليم الذاتي المستمر هو جزء من طبيعة عملنا. لكن أحد تحديات هذه العملية هو الحفاظ على التركيز ووضع الأهداف. من السهل تحديد هدف واسع وشامل كـ“تعلم إدارة Windows”، لكن دون أن تعرف من أين تبدأ، وما المسارات التي تسلك، وما المعرفة التي تُعدُّ تأسيسية، وأين تنتهي حين يُقال كل شيء ويُفعل. وحين تنتهي، كيف تنقل هذه المعرفة والخبرة المكتسبة حديثاً إلى أصحاب العمل الحاليين أو المحتملين؟
ثمة بالطبع طرق عديدة لمعالجة هذه المشكلة. فإيجاد كتب جيدة حول إدارة Windows سيكون بداية ممتازة. توجد كتب رائعة كثيرة وأعتقد أن معظم الناس سيصلون إلى هذه الخلاصة إن طُلب منهم التفكير في كيفية التعلم الأمثل لموضوع واسع كهذا. ولمن يفضلون ذلك، ثمة خيارات تدريبية مجانية ومدفوعة عبر الفيديو وبرامج الحاسوب. وقد تكون هذه رائعة أيضاً. ويعتمد الكثير من ذلك على نوع المتعلم الذي أنت عليه.
من أكثر ما يعجبني في الشهادات أنها تُحدد هدفاً واضحاً جداً وترتبط بها دائماً تقريباً مواد تدريبية وتعليمية طبيعية رسمية أو غير رسمية. وإدارة Windows مثال ممتاز مرة أخرى.
إن كنت أسعى إلى التعلم في مجال إدارة Windows، فأي نقطة انطلاق أفضل من البدء بالمسار التعليمي الموصى به من البائع المعني؟ لا يعني ذلك أن تعليم البائع هو غاية هذه العملية ومنتهاها، لكنه يكاد يكون دائماً أفضل نقطة انطلاق لبناء أساس متين في الأساسيات، وترسيخ قاعدة معرفية شاملة ومتوازنة للنمو منها، والحصول على قاعدة معرفة مشتركة مع متخصصين آخرين في مجال مماثل. في هذا المثال، تُوفر Microsoft نفسها نقاط انطلاق واضحة في إدارة Windows، وإرشادات حول المعرفة المشتركة المتوقعة قبل البدء، وأفكاراً حول كيفية التعلم العملي التجريبي، ومسارات للتركيز على مجالات اهتمام محددة، وتقدماً واضحاً من الشهادات المدخلية إلى الشهادات المتوسطة إلى الشهادات المتقدمة.
تواصل Microsoft كونها مثالاً ممتازاً لأنها تنشر مواد تعليمية عالية الجودة ومتاحة على نطاق واسع، في شكل كتب وفيديو عبر الإنترنت بشكل أساسي؛ بل توفر مختبرات إلكترونية ومنتجات قابلة للتنزيل للتجربة والتعلم. إن استخدام المنهج الرسمي إطاراً للتعلم هو طريقة رائعة للبقاء على المسار والمضي قدماً. والتعمق في التجريب العملي للمفاهيم أثناء تعلمها، ومعاملة الشهادة باعتبارها إلزامية والتركيز على المجالات والمفاهيم الأقل إثارة للاهتمام، وتعلم الخلفية والمنطق وراء التصاميم والممارسات، هذه كلها بعض الفوائد.
الشهادات مفيدة من منظور التقدم الوظيفي البحت، لكنني أعتقد أن النظر إليها بهذه الطريقة يُجحف بعملية الشهادة. الشهادات ذات قيمة أعظم بكثير لك كفرد ولأي صاحب عمل محتمل حالي أو مستقبلي، حين لا تكون الشهادة في النهاية هي محور الاهتمام، بل التعليم على طول الطريق.
كان أفضل كثير من التعلم الذي اكتسبته في تكنولوجيا المعلومات في سنوات الشهادات الجادة. لأنني أكثرت من استخدام الكتب ومختبرات عملية كثيرة وعملت عبر شهادة تلو أخرى، مخصصاً الوقت للتدريب والتعلم دون الاستعجال للحصول على الشهادة والمضي قدماً بأسرع ما يمكن، اكتسبت أساساً راسخاً في المبادئ الأساسية، وتعلمت تفاصيل منتجات عديدة، وأصبحت على دراية بأفضل الممارسات المنشورة، وتعلمت كيف يرى البائعون المحددون عالم تكنولوجيا المعلومات وكيف يسعون إلى جعلني أراه.
الشهادات في حد ذاتها ليست كافية بالطبع. فهي تتطلب تفانياً كبيراً ورغبة في التعلم. وقيمة الشهادات، فيما يتخطى عرضها حين تكتمل، تكمن في كونها يداً هادية تُبقي السفينة على مسارها أثناء اكتسابك المعرفة الأساسية لموضوع ما. سواء أكان ذلك على المسار ضمن موضوع ضيق لشهادة واحدة، أم في كثير من الحالات لرسم مسار أكثر تعقيداً عبر سلسلة من الشهادات. أو المساعدة في توفير تقدم منطقي بمرور الوقت.
كما توفر الشهادات نظرة ثاقبة على المهارات ومجالات الدراسة التي يرى البائعون وجهات اعتماد الشهادات أنها الأهم. في يوم من الأيام كانت Microsoft تُقدم تخصصات في Exchange وProxy Server وSQL Server وIIS وحتى Internet Explorer. أما اليوم فلا تزال التخصصات تشمل Exchange وSQL Server لكن مفاهيم أخرى كمنصات التطبيقات انتقلت إلى “مهارات أساسية مبسطة”، وظهرت مجالات جديدة لافتة تشمل الافتراضية والمنصات السحابية وإدارة البرمجيات كخدمة المستضافة.
كما تميل الشهادات إلى فرض جهد منسق لتعلم أحدث الميزات والاتجاهات داخل المنتجات، لا فقط مجالات المنتجات الجديدة في حد ذاتها. وهذا مهم بشكل خاص لأن البائعين يميلون إلى استخدام الشهادات لتوجيه قاعدة خبرائهم نحو عقليات ستكون مفيدة في المستقبل. فإن علم بائع ما بما هو قادم في إصدار أو إصدارَين قادمَين، فقد يبدأ أحياناً في تأسيس معرفة تمهيدية أو تشجيع أنواع مختلفة من التصاميم عبر عملية الشهادة مبكراً، حتى يكون مؤيدوه في الميدان مستعدين قدر الإمكان حين تُطلق منتجات أو ميزات جديدة.
تذكر حين تنظر إلى الشهادات، كأي تعليم، أنها وسيلة وليست غاية. بتغيير منظورنا تجاه الشهادات من إثبات ما نعرفه إلى كونها أداة للتعلم، يمكننا تعظيم الغايات وجني قيمة أعلى بكثير من العملية.